محمد خليل المرادي
358
سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر
من القصيدة ممّا راق وطاب . وتقرّ بسماعه أعين أولي الأفهام والألباب . والبيت الثاني أحد وأربعون حرفا ، كلّ حرف على افتتاح بيت مدح بأوصافكم السنيّة ، بما هو أرقّ من مساجلة ذوي الآداب . وأطيب نفحا من عرف الرضاب . وأعذب من ارتشافه للمعشوق المصاب . وأشهى إلى النفوس من اعتناق الأحباب : مولاي دونك ألفاظا بها سمحت * قريحة من بقايا عرف عدنان حوت بدائع من فنّ البديع وقد * دقّت معاني عن قسّ وسحبان فإليكها عروسا أرقّ من نسمات السّحر والسّحر الحلال . وألطف من صفاء الورد وصافي الزلال . ليس مهرها إلّا الإغضاء وحسن القبول . ولعمري إن هذا لهو غاية السؤل والمأمول . ولم تكمل لها هذه الأوصاف الحسنى ، إلّا بتضمّنها مديحكم الأسنى . وعذرا مولاي لقاصر عن درجة التمييز . ونصرا لمن جعله أهل فنّه أنكر من الحال والتمييز . ولكن بعزّ جنابك غدوت أعرف من العلم . وأشهر من نار على رأس علم . ولا يعرف الفضل إلّا ذووه . ولا يغتذي بلبانه إلّا بنوه . وهذه هي القصيدة الميمونة الغرّاء . المنتظمة في سلك قوله صلّى اللّه عليه وسلم : إنّ من الشعر لحكمة وإنّ من البيان لسحرا . انتهى . وهي قصيدة لم تسمح بها قريحة شاعر « 1 » . ولم تر مثلها مقلة ناظر . احتوت على كلّ بيت بتاريخين . ولولا خوف تحريف الكتاب لذكرتها برمّتها « 2 » . لكن حذرا من تغيّر الأبيات بالألفاظ تتغيّر حساب الأعداد من التواريخ ، فيذهب رونقها ، وإلّا فهي جديرة بأن تتوشّح بها الأوراق . وتنتظم بعقود فرائدها النظيمة العجيبة الاتّساق . ومن شعر المترجم قوله ممتدحا ومهنّئا والدي بقصيدة مطلعها : هذا حمى الأفق باليمن ازدهى أنفا * من شام إتقانه الباهي به أنفا أركانه أحكمت للوافدين على * وفق السرور فأضحى نيرا طلقا وكيف لا وجمال الأنس يشرق من * أرجائه فهو مأوى فرحة ولقا نقوشه تزدهي الرائي برونقها * فتملأ الطرف حسنا إذ لها رمقا من أصفر فاقع مع أحمر بهج * وأبيض بصفاء قد غدا يققا « 3 »
--> ( 1 ) ذكر البديري أنّ الشيخ عبد الغني النابلسي أعجب بالقصيدة ومنح البهلول لقب : « شيخ الأدب في الشام » . انظر صفحة 139 من تاريخه : حوادث دمشق اليوميّة . ( 2 ) انظر القصيدة في تاريخ الشهابي 1 / 24 حتى 28 وهي 87 بيتا ، كلّ شطر منها يعادل 1136 في حساب الجمّل . ( 3 ) يقق : شدّة البياض .